الطبراني
240
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
النّصر بقلّة العدد ولا بكثرته ولا من قبل الملائكة ، ولكن النصر من عند اللّه ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ؛ بالنّقمة ممن عصى ، حَكِيمٌ ( 10 ) ، في أفعاله . وقد اختلفوا هل قاتلت الملائكة يوم بدر مع المؤمنين أم لا ؟ قال بعضهم : لم يقاتلوا ولكنّ اللّه أيّد المؤمنين ليشجّع بهم قلوبهم ، ويلقي بهم الرّعب في قلوب الكافرين ، ولو بعثهم اللّه بالمحاربة لكان يكفي ملك واحد ، فإنّ جبريل أهلك بريشة واحدة سبعا من قرى قوم لوط ، وأهلك بصيحة واحدة جميع بلاد ثمود . وهذا القول أقرب إلى ظاهر الآية . وقال بعضهم : إنّ الملائكة قاتلت ذلك اليوم ؛ لأنه روي أن أبا جهل قال لابن مسعود : من أين كان ذلك الضّرب الّذي كنّا نسمع ولا نرى شخصا ؟ فقال له : ( من الملائكة ) فقال أبو جهل : هم غلبونا لا أنتم ! قوله تعالى : إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ؛ قال جماعة من المفسّرين : وذلك أنّه لمّا أمر اللّه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالمسير إلى الكفّار ، سار بمن معه حتى إذا كان قريبا من بدر لقي رجلين في الطريق ، فسألهما : [ هل مرّت بكما العير ؟ ] قالا : نعم مرّت بنا ليلا ، وكان بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عشرة من المسلمين ، فأخذوا الرّجلين ، وكان أحدهما عبد العبّاس بن عبد المطّلب يقال له أبو رافع ، والآخر عبدا لعقبة بن أبي معيط يقال له أسلم كانا يسقيان الماء ، فجاؤوا بهما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واستخلى بأبي رافع ودفع أسلم إلى أصحابه يسألونه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي رافع : [ من خرج من أهل مكّة ؟ ] فقال : ما بقي أحد إلا وقد خرج ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ أتت مكّة اليوم بأفلاذ كبدها ] ثمّ قال : [ هل رجع منهم أحد ؟ ] قال : نعم ؛ أبيّ بن شريف في ثلاثمائة من بني زهرة ، وكان خرج لمكان العير ، فلما أقبلت العير رجع ، فسمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الأخنس حين خنس بقومه ، ثم أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أصحابه وهم يسألون أسلم ، وكان يقول لهم : خرج فلان وفلان ، وأبو بكر رضي اللّه عنه يضربه بالعصا ويقول له : كذبت بخبر الناس ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إن صدقكم ضربتموه ، وإن كذبكم تركتموه ] فعلموا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد عرف أمرهم « 1 » .
--> ( 1 ) أخرجه عبد الرزاق في المصنف : كتاب المغازي : وقعة بدر : الحديث ( 9727 ) عن عكرمة .